قراءة في أزمة مصر والجزائر ..
… حتى لا ننسى الإهانة كالعادة
اليكم تفاصيل المقال
كتب - عماد سيد - رغم مرور أسبوع أو أكثر على فضيحة السودان، والذل والهوان الذي تعرضنا له جميعاً وليس فقط من سافر إلى هناك، إلا أن الغصة لا تزال في الحلق كما هي، ولا يزال الجرح غائراً في النفس واعتقد أنه سيبقى إلى الأبد.
لم تكن تلك مباراة في كرة القدم .. بل كانت وصمة عار على جبين كل مصري .. سقطة في كل الجوانب السياسية والدبلوماسية والتنظيمية تسبب فيها أشخاص لم ينتخبهم أحد بل فرضوا علينا فرضاً ولم يهتموا إلا بمجدهم الشخصي ووضعهم الاجتماعي والظهور على شاشات الفضائيات، لكن الفضيحة في هذه المرة كانت على رؤوس الاشهاد.
فالأمر كما ظهر للجميع لم يكن ليصل إلى حد قتل المصريين الذين سافروا خلف منتخبهم لتشجيعه (أو تولى سفرهم واختيار أغلبهم الحزب الحاكم)، ففي ثقافتنا العربية كما نعلم جميعاً أن إهانة الرجل بضربه وجعله يعدو هارباً في الشوارع خائفاً مذعوراً لهي أمر أسوأ من القتل بمراحل ولا يستطيع الرجل أن يرفع رأسه وسط الآخرين بعده أبداً.
كنت قد كتبت منذ عدة أسابيع عن مباراة مصر والجزائر الأولى في القاهرة وتعجبت من انزلاق الشارعين المصري والجزائري (على ما فيهما من مآسي وكوارث داخلية) إلى هذا المستنقع وتبادل الإعلام هنا وهناك كلمات ما كان لها أن تستخدم في عالم الصحافة على الإطلاق، ومع الوقت بدأت الأمور تتضح وبدأنا نعرف أننا خسرنا على كافة المستويات فيما ربحت الجزائر التي رتبت للأمر جيداً على كافة الأصعدة.
وقبل أن أتحدث عن الأخطاء والخسائر دعونا أولاً نتعرف على المشهد الجزائري (والذي لا يختلف كثيراً عن نظيره المصري) لنعرف كيف استفادت الجزائر من الحدث وكيف فشلنا نحن.
من الناحية السياسة تعاني الجزائر من إشكالية غاية في الخطورة ألا وهى قضية القومية أو الهوية، فالجزائر شعباً وحكومة منقسمة على نفسها ما بين الولاء للقومية العربية والإسلامية (وهو الاتجاه الذي يضم أغلب الجزائريين) والولاء لفرنسا وثقافتها وتاريخها على الرغم مما قامت به في بلادهم (وهو الاتجاه الأقل عدداً والأكثر نفوذاً وهيمنة ومنهم عدد هائل من جنرالات الجيش الذي يحكم البلاد في حقيقة الأمر!) وهؤلاء يدفعون بالجزائر دفعاً حثيثاً للابتعاد عن العالم العربي والاسلامي باتجاه فرنسا ولنا بالطبع أن نتصور مدى حقدهم وكراهيتهم الدفينة لكل ما هو عربي أو اسلامي.
ولا يخفى على أحد أنه بعد انتخابات نيابية في غاية الأهمية جرت قبل عقد من الزمان هناك فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بحوالي 90% من مقاعد البرلمان شعر جنرالات الجيش بأنهم بدأوا يفقدون القدرة على الإمساك بمقاليد الأمور، كما أثار الأمر حفيظة فرنسا وأتباعها بالجزائر حيث يعني الأمر عودة الجزائر إلى موقعها الطبيعي في العالم العربي والإسلامي مما لا يخدم مصالح فرنسا بحال من الأحوال، فألغيت نتائج الانتخابات البرلمانية وبدأت حوادث الإرهاب والقتل البشعة وبدأت الاتهامات تكال للإسلاميين بأنهم وراء ما يحدث عقب لأنهم رفضوا إلغاء نتائج الانتخابات، بل وقيل إن الجيش كان هو المخطط والمدبر لحوادث القتل والتفجيرات من أجل أن يدفع الناس إلى الاعتراف بأنهم أخطأوا حين أرادوا أن يقود البلاد حزب إسلامي والحض على كراهية هذا التيار بكل ما فيه من أفكار ومنها بالطبع عروبة الدولة مما سيمنع إلى الأبد وجود هذا التيار العروبي والإسلامي بصورة شرعية داخل مؤسسات الدولة.
وكما في مصر، انفرد الحزب الواحد بعد ذلك بالحكم عبر انتخابات مزورة ورشى للناخبين واعتقالات للمعارضين وغيرها، ومع انتشار الفساد تزايدت نسب البطالة وارتفعت نسبة التضخم وازداد السخط الشعبي على تدهور الأوضاع (ألا يذكرنا هذا بشيء؟).
وما أن اتضحت الأمور على مستوى كرة القدم وتبين أن مصر لابد وأن تلاقي الجزائر حتى أحكمت المخططات وتم تنفيذها بدقة بالغة وضربت القيادة الجزائرية عدة عصافير بحجر واحد، فالشعب سيتم إلهاؤه عن حقيقة الوضع المتردي في البلاد وتعم سكرة التأهل لكأس العالم الجميع، كما ستتم الاستفادة من العصبية غير الطبيعية التي تجري في دماء شعب يستثار لأقل الأمور تفاهة.
وسينطلق الإعلام المتهافت بتوجيهات عليا لسب مصر والمصريين في الصحف التي يتحكم فيها الجيش الجزائري الذي يكره جنرالاته كل ما هو عربي، و بعد حوادث مفتعلة وأخبار كاذبة تنساق الميديا المصرية للرد بعصبية ودون تروٍ فينزلق إعلام مصر إلى الهاوية نفسها وتتصاعد الأمور وتعلو نبرات الحديث وتزداد الوقاحة ليقال بعدها: هكذا هم العرب وهكذا هي المغرب وليبيا وهكذا هي مصر التي باعت غزة وتضامنت مع اليهود في ضرب المحاصرين (تذكروا هتافات الجزائريين ولافتتاهم في السودان!) فكيف يمكننا أن نعيش وسط هؤلاء وتكون بيننا وبينهم علاقات قوية وهم يسبوننا ويسخرون من شهدائنا، وعليه يستدعى السفراء وينخفض التمثيل الدبلوماسي إلى اقصى درجة!
أما من الناحية الاقتصادية - وهي لا تنفصل عن السياسة بطبيعة الحال - فهناك أنباء غير مؤكدة إلى الآن بأن قطر تقف وراء تصاعد الأزمة بين مصر والجزائر لعدة اعتبارات منها رغبة دفينة لدى كافة الدول العربية تقريباً في انتزاع دور القيادة التاريخي من مصر (إن لم نكن نحن من رمينا به الى سلة المهملات!) ولكل دولة مبرراتها في ذلك، ومبرر قطر هو ما نسب إلى مصر وأمريكا منذ زمن بمحاولة إعادة والد أمير قطر إلى عرشه حيث انقلب عليه ابنه وهو خارج البلاد .
وإذا كان قد أمن الجانب الأمريكي بتوفير أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة على أراضيه إلا أنه لم يأمن بعد جانب مصر فهو يستغل كل فرصة ممكنة يمكنها أن تسبب ضرراً لمصر، والدليل أن


























